mardi 28 octobre 2008

LE MÈTRE ARABE


Le mètre arabe

Les mètres les plus utilisés dans la poésie arabe ont été codifiés au VIIIe siècle par Al-Khalil bin Ahmad et n'ont presque pas changé depuis. Le mètre se base sur la longueur des syllabes, il y a des syllabes courtes (une consonne suivie d'une voyelle courte) et des syllabes longues (une voyelle suivie d'une consonne ou d'une voyelle longue). Ainsi la poésie arabe ne s'appuie pas seulement sur la longueur des vers et les rimes mais sur un certain rythme interne à chaque ligne (bayt). Chaque bayt est divisée en deux moitiés (shatr) qui correspondraient aux vers de la poésie française.

Les différents mètres se distinguent les uns des autres par le nombre de syllabe et l'ordre, l'alternance de syllabes courtes et longues. Mais il existe souvent plusieurs variations d'un même type de mètre puisque deux syllabes courtes peuvent être substituées par une longue par exemple...

Voici quelques noms de mètres : tawil, kamil, wafir, radjaz (forme souvent employée lors d'improvisations), hazaj, basit, khafîf, sarî', moudari...

Pour plus de détails sur la notion de mètre bâtis sur des oppositions entre syllabes brèves et longues, consulter l'article sur le mètre en poésie.

ARTICLE DE L'ENCYCLOPÉDIE WIKIPÉDIA


قصتي مع العروض


ابتدأت قصتي مع العروض سنة 1975، وذلك بعد أن كلمني أحد الأصدقاء، وكان مولعا بهذا الفن، عن أوجه التشابه بين العروض والرياضيات.

ثم سمعت أحد الأساتذة يتكلم عن الخليل وعن "الزمر الدورية" الموجودة في نظريات الفراهيدي، (Les groupes cycliques).

وعثرت ذات يوم على كتاب في العروض، وكانت مرسومة في إحدى صفحاته الدوائر العروضية، ولم يكن لي أي علم بهذه الدوائر، لأن دراستنا لأوزان الشعر العربي في الثانوي، كانت مقتصرة على وصف سطحي للبحور الأساسية.

وأعجبت إعجابا كبيرا بهذا التنظيم لأوزان شعرنا، وبالطريقة التي رتبت بها البحور وبإمكانية اندماج بعضها في أجزاء البعض الآخر.

وحاولت أن أفهم.. وبحثت عن هيكل للزمر الدورية فلم أجده، وذلك لسبب بسيط وهو أن مجموعة البحور غير مزوَّدة بقانون داخلي والزمرة يشترط أن يعرف فيها قانون مثل الجمع، والضرب، والطرح، والقسمة. وتشترط في هذا القانون خواص، واتضح لي أن الأستاذ الذي تكلم عن الزمر الدورية لا يعرف مفهوم الزمرة، وإنما خيل إليه أن الدورية التي تتصف بها بعض الزمر تتطابق مع الدوائر العروضية...

وكان عليَّ أن أبحث على المفهوم الرياضي الذي يتطابق مع مفهوم الدائرة...

فعرَّفت العلاقة الدورانية بين سلسلتين من الرموز، وبرهنت على أن هذه العلاقة علاقة تكافؤ، وجاء بعد هذا تعريف الدائرة سهلا، بسيطًا: الدوائر العروضية هي أصناف التكافؤ وفق هذه العلاقة.

وقد ساعدني في عملي هذا، اهتمامي الكبير باللسانيات الرياضية التي كنت أدرسها من أجل المتعة، وذلك لأنها تمثل التقاء ميولي العميقة نحو الأدب بميولي نحو الرياضيات، فلم أجد أي صعوبة في إدماج مجموعات الأوزان ضمن دراسة اللغات الصورية.

وبعد تعريف الدائرة بحثت عن بعض خواصها، واتّجه اهتمامي إلى إحصاء عناصرها، وكان الإحصاء مرتبطا بدورية السلسلة التي تربط بين عدد عناصر الدائرة وبين دورية هذه العناصر.

وهذه النظرية لم أستطع أن أبرهن عليها بصفة عامة وشاملة إلا بعد سنة أو سنتين.

وفكرت في الأول أن تأخذ دراستي هذه شكل مقال في مجلة علمية، ولكن سرعان ما اتسع البحث: درست مفهوم الوزن بصفة صورية، وجعلت من البحور أنحاءا تحويلية، وأعطيت للزحافات أشكال أشجار إحصائية، وأدخلت نظرية البيانات لتمثيل الأوزان..وتطرقت لدراسة الشعر الحر أبحث عن نحو له.

وسرعان ما تحول المقال إلى كتاب... وودت أن يكون هذا الكتاب عددا خاصا من أعداد هذه المجلة، ولكن الظروف لم تكن مساعدة، بالرغم من أن المسؤول على هذه المجلة هو الصديق الذي رماني بين أحضان العروض..

ونصحني أحد الأصدقاء، أن أحوّل عملي إلى أطروحة، فذهبت إلى باريس في معهد اللسانيات، وقابلت هناك الأستاذ كوليولي (Culioli) متأبطاً كتابي... ووجهني الأستاذ كوليولي إلى جاك روبو(Jaques Roubaud) وكان روبو أستاذ الرياضيات بالجامعة، وكان شاعرا مشهورا ومنظرا للعروض والإيقاع...

والتقيت بجاك روبو وكلمته عن نظرية الخليل، وكان يعرفها لأنه ترجم مقالا لهال وكيزر (M.Halle et S.Keyser) عرض فيه نموذج الفراهيدي.

وأعجب جاك بتقنين لغتنا بواسطة السواكن والمتحركات لأنه كان يشك هو وزملاؤه في مفهوم المقطع اللغوي...

وكان روبو يدير مع أحد أصدقاءه ليون روبيل (Léon Robel) مركز بحث اسمه: مركز فن الشعر المقارن (Centre de Poétique Comparée) وكان مقره شارع ليل... وإمكانياتهم كانت محدودة جدا وأظن أن الميزانية كانت لا تتعدى خمسة مليون سنتيم للسنة، كانوا من هذه الميزانية يدفعون أجرة سكرتيرة، ويصدرون مجلتين..

وكان الباحثون في هذا المركز يجتمعون كل يوم جمعة مدة ساعتين لدراسة موضوع ما، وساعتين بعدها لسماع محاضرة، ثم يذهبون إلى المقهى يتبادلون أطراف الحديث حول الشعر والإيقاع والترجمة...

وكان من بين الباحثين بييرلوسن (Pierre Lusson) الذي كان رياضيا، مهتما بالموسيقى وعلم الإيقاع ويعد من مخترعي نظرية الإيقاع.

ونظرية الإيقاع هذه شبيهة جدا بنظرية الخليل بن أحمد، وأذكر أنني لما ألقيت محاضرة في مركز فن الشعر المقارن، دهش الجميع و شـعروا بـأن الفراهيدي قد سبقهم في هذا الميدان.

وكان يدهشني كثيرا جاك روبو، لأنه كان يفضل اختيارات الخليل على كل الاختيارات، ويفضل التقنين الذي استعمله صاحب العروض ومصطلحاته، ورغم جهله للعربية كان روبو يفهم، من أدنى تلميح، كل نوايا الخليل.

وقدمت أطروحة الدرجة الثالثة سنة 1979، بعد أن ترجمت بحثي وطورته وتركت منه بعض الجوانب الرياضية البحتة التي لم تكن لها استعمالات فعلية..

وتطورت أبحاثي وذلك بعد أن اكتشفت أعمال هال وكايزر حول العروض المولد (La métrique générative). وكان الشيء الهام في هذه الأعمال هو التوضيحات الخاصة بالنموذج وبتحقيق النموذج (أي بمستوى البنية العميقة ومستوى البنية السطحية) وأنشأ هذان الباحثان نموذجا للشعر العربي انطلاقا من النموذج الخليلي، وهذا النموذج اعترف بكل مكونات عروضنا: بالأسباب والأوتاد التي تجاهلها المستشرقون، بالتفاعيل، بالدوائر. وبسطت قواعد الزحافات والعلل في هذه النظرية حتى أصبحت تؤول كلها إلى قاعدتين أو ثلاث... ولكن من جهة أخرى أغلق هذان الباحثان بعض النوافذ، وعاملا الإيقاع معاملة اللغويين، وحرصا على إعطاء العروض العربي شكل نحو توليدي ينطلق من بديهية واحدة، فأصبحت قواعده مصطنعة...

واتجهت جهودي بعد 1979 نحو تحظير دكتوراه الدولة التي نوقشت سنة 1984.

درست وحللت في أطروحتي كل النظريات العروضية الخاصة بالشعر العربي، القديمة منها والحديثة، وأذكر من بينها:

نظرية الخليل، ونظرية الجوهري، نظرية القرطاجني، أعمال المستشرقين مثل الألماني فايل والفرنسي ستانسلاس قويار، أعمال الكاتب وأبو ديب، وغيرهم...

وكان العمل شاقًّا لأن النماذج مجرَّدة، ولأن أصحابها يفترضون، في كثير من الحالات، أشياء خرافية...

بنينا من جديد نظرية الجوهري وذلك انطلاقا من الوثائق القليلة التي تكلمت عنها، وحققنا كل مقولات حازم القرطاجني، فوجدنا البعض منها صالحا والآخر خاطئا، وبرهنا على أن النبر في العربية، وفي ميدان العروض، خرافة، وهو آت من المزج بين مستويين مختلفين تماما: مستوى الأداء.

وتابعنا ستانسلاس قويار في دروبه العسيرة، والمُلْتَوِيَة، والغامضة، باحثين عن الحقيقة الغائبة، ومبرهنين على أنه يمكن الوصول إلى الصدق انطلاقا من الخطإ، وأثبتنا أن نموذج "أبو ديب" ليس نموذجا أو أنه لا يتعدى أن يكون تعبيرا لمقولات مؤكدة مثل: س = س، وللوصول إلى هذا الهدف بنينا مكانه النظرية التي كان يود إنشاءها، ولم يستطع... أما الكاتب فإننا برهنا على أنه لا توجد أي علاقة بين هيكل الأرقام الثنائية وبين العروض، وأثبتنا أن الخواص الغريبة التي اكتشفها، لا تتعدى أن تكون مظهرا من مظاهر الشعر العربي وهي ثبات عدد المقاطع في بعض البحور...

ليسامحني كل هؤلاء! لم أقصد نقدهم من أجل النقد ولم أنو تحطيم أعمالهم من أجل التحطيم، ولكن العلم يقتضي أن تقال الحقائق... وبما أن بعض الباحثين نهجوا منهج التخلف فنقدوا الخليل عن جهل، في المجالات التي لا يجوز فيها النقد، وبنوا النماذج الفاسدة، وتظاهروا بمعرفة علم الفونولجيا لأنهم اكتشفوا المقطع المفتوح والمقطع المغلق، وبعلم الرياضيات، لأنهم استطاعوا العد في النظام الثنائي، بما أن هؤلاء تصرفوا هذا التصرف، وحاولوا إتمام عملية التحطيم التي بدأها المستشرقون... لماذا أسكت؟ فضلت أن أقول الحقيقة، أن أقول: "هؤلاء ليسوا علماءنا الجدد وشتَّان ما بين الخليل وبينهم"..

كل أعمالنا في العروض لخّصت في أطروحة دكتوراه الدولة، وكان عنوان هذه الأطروحة: "النموذج الخليلي وسط النظريات"، وتعرضنا فيه لدراسة النظريات التي تكلمنا عنها.

أما الجزء الثاني فكان عنوانه: "امتداد" وأعني به: امتدادا لنظرية الخليل، وضمنا هذا الجزء كل أعمالنا الشخصية.

فتكلمنا فيه عن الدائرة العروضية وأعطينا التعاريف والنظريات التي أشرنا إليها ولكن موَسَّعة، شاملة، واتجهنا اتجاها آخر في دراسة الدائرة، فبعد تعريفها النظري واستنتاج ما يمكن استنتاجه من مقولات، بحثنا عن علاقة الدائرة بالواقع الشعري، ودققنا في القضية التي وضعها البعض كبديهية لهم، وهي أن الدائرة شيء اصطناعي لا علاقة له بالواقع... وبما أن الدائرة اتُّهِمَت بإنجاب أوزان غير شرعية، مثل المديد، والهزج، والمضارع، والمقتضب، والمجتث، التي لا تستعمل على شكلها الناتج عن التدوير، فإننا بحثنا عن العلاقات الموجودة في أشكال الأوزان المستعملة، وكانت النتيجة فوق كل ما كنا نتوقع. نعم إن هذه الأوزان خاضعة للتبديل الدوراني وقادنا هذا إلى اختراع دوائر جديدة مثل دائرة المديد حسب شكله المستعمل أي حسب الوزن:

( فاعـلاتن فاعـلـن فاعـلاتن ) في كل شطر.

فإنك لو انطلقت من الحرف السادس لقرأت وزن الرجز المجزوء، ولو نطلقت من بداية التفعيلة الأخيرة، راجعا دائريا إلى نقطة البدء، لقَرَأْتَ وزن الرمل الثاني. ( فـاعلاتن فـاعلاتن فـاعلن )، ومن الحرف الثالث من الجزء (فـاعـلن)، تُقْرَأ: (مفاعـيلـن مفاعـيلـن فعولن) وهو أحد تحقيقات الوافر ومن آخر مقطع من الشطر تجد (مستفعلن مستفعلن فاعلن) وهو وزن السريع حسب الاستعمال فنحن إذن أمام دائرة جديدة، دائرة تضم المديد ومجزوء البسيط والرمل والسريع على أشكالها المستعملة... وهناك دائرة أخرى خاصة بالمجتث الخ...

إذن ما زعمه المستشرقون، ومن حذا حذوهم، من أن الدائرة شيء اصطناعي، لا صحة له، ولكننا نتساءل بعد هذا: هل جهل الخليل هذه العلاقات الدورانية في الأوزان المستعملة أم تناساها؟ وقد أوضحنا في دراستنا أن هناك حججا تبعث على القول بأن إهمالها كان لازما ومن أبرز هذه الحجج أن مهمة الخليل كانت قبل كل شيء خلق نحو مُوَلِّد لأوزان الشعر العربي ومن طبيعة كل نحو ألا يكون حاملا اللبس، واللبس معناه أن يكون لإحدى الوحدات المنتَجة برهانان أي أنها تُنْتَج بطريقتين مختلفتين، لننظر مثلا لمجزوء البسيط، كيف ينتج انطلاقاً من الطويل:

بواسطة التدوير ننتِج انطلاقا من الطويل وزن البسيط التام، ثم بواسطة التجزيء، أي حذف آخر تفعيلة من كل شطر، نصل إلى (مستفعلن فاعلن مستفعلن) أي إلى وزن مجزوء البسيط... هذا هو الاختيار الخليلي لإنتاج هذا الوزن. ولكن هناك اختيار آخر وهو أن نظهر العلاقة الدورانية بين المديد على شكله المستعمل وبين مجزوء البسيط، فننطلق من الطويل، وبالتدوير نحصل على المديد النظري، ثم بالتجزيء نحصل على المديد المستعمل، ثم بالتدوير على مجزوء البسيط.

ولو أنشأنا نحوا وأردناه أن يكون مرآة لكل العلاقات وكل الحقائق لأدمجنا فيه كل التحويلات المشار إليها في الرسم السابق... ولكننا سنصطدم بمشكل جديد، مشكل اللبس، فالوزن (مستفعلن فاعلن مستفعلن) سيكون تارة مجزوء البسيط إذا نهجنا منهج الخليل، ويكون تارة مدور المديد إذا أبرزنا العلاقة الدورانية التي وضحناه، وهذا غير ممكن لأن من طبيعة النَّحْوِ أَن توصف كل وحدة من الوحدات التي يتناولها وصفا أحاديا...

هذا ما دفع الخليل إلى السكوت عن العلاقات الدورانية داخل الأوزان المستعملة وفضل أن يدرج التدوير في الأوزان الرئيسية للبحور... ولست ممن يمجدون عباقرة الماضي فيحمّلونهم معرفة كل شيء، واختراع كل شيء، لا أقول بأن الخليل قد فطن لهذه العلاقات ولم يتكلم عنها، الله وحده يعلم إذا كان الفراهيدي على اطلاع بهذه العلاقات أو كان يجهلها، ولكن الشيء الأكيد هو أن إدماج هذه العلاقات، في نموذج يطمح أن يكون سالما من اللبس، غير ممكن...

وبعد دراسة التدوير على المستوى الذي ذكرناه تساءلنا: ماذا يحدث لو طبقنا هذا التدوير على مستوى الواقع الشعري، أي على قصائد معينة، وجربنا هذا على أمثلة أخذناها من كل البحور ومن كل الأضرب؟ وتوصلنا إلى حقيقة هامة: وهي أن كل قصيدة تحمل في طياتها الوزن الذي نسجت على منواله وكلَّ الأوزان التي تنتج عنه بواسطة التبديل الدوراني. واتضح لنا أن الدوران مرتبط بمفهوم آخر وهذا المفهوم هو "الخطّية"، والخطّية مجسدة في القصيدة ككل، أو بصفة أمثل، في قصيدة لا بداية ولا نهاية لها، تذوب داخلها كل حدود الأبيات والأشطر والتفاعيل ...

وتأكدنا من شيء، وهو أنّ الأوزان العربية لم تنشأ الواحد بمعزل عن الآخر، وإنما هي متآلفة، وهي تسبح في بنية كبرى، وأحد عناصر هذه البنية الكبرى هو الدائرة...

وإلى جانب أبحاثنا حول الدائرة حاولنا أن نعطي للأوزان وصفا وظيفيا لا يقتصر على المهام الإنتاجية... وكان علينا أن نعرف حقيقة الواقع الشعري قبل أن نقوم بهذا الوصف، فالعروضيون يقولون لنا أن الكامل يدخله الوقص فيحذف المتحرك الثاني من متفاعلن، ونحن لم نعثر على هذا في الشعر المعروف ولم نعثر على الشكل "فاعلات" في الرمل أو الخفيف، ولم نعثر على الخرم... وكان علينا إذن أن نجري الإحصائيات وأن نقطّع آلاف الأبيات كي نتوصل إلى الحقيقة، وكي نصف الزحافات والعلل بواسطة الأرقام وليس فقط بواسطة كلمات الحسْن والقبْح والقبول...

وهذه الإحصائيات، وهذه الأرقام، مكنتنا من وصف البحور وإعطاء البيت شكلا نموذجيا بالنسبة للثابت والمتحول، وسمينا هذا الشكل: "ملمح البيت".. إضافة إلى هذا الوصف حاولنا تفسير المتغير والثابت ولكننا لم نجد إطارا عاما يمكننا أن نفسر داخله الثبات والتحول...

وكل هيكل كان يروي لنا قصة اختياراته، فروينا كل هذه الاختيارات في إطار اتجاه وظيفي تكون الوظيفة الرئيسية فيه هي تعيين الوحدات الإيقاعية بإبراز بداياتها ونهاياتها...

بعد دراسة الواقع الشعري تطرقنا إلى دراسة التقطيع، واتجهنا نحو البحث عن نموذج تحليلي يكون معكوسَ النموذج الخليلي، أي أن هذا النموذج ينطلق من البيت ويحاول الوصول إلى بنيته. والعملية ليست سهلة، ومما يعقدها هو دخول الزحاف والعلة على الوحدات. فلو نظرنا إلى وزن مثل مفاعـلـن لم


ندر هل أصله مفاعـيلـن الذي أسقط منه الخامس أو مستفعلـن الذي أسقط منه الثاني...

الرجوع إلى الوزن الأصلي صعب وكان علينا أن نبحث عن قواعد تمكننا من الرجوع إليه بطريقة بسيطة، آلية، أحادية. ووجدنا هذه القواعد، وكانت في منتهى البساطة: "لا يتجاور في الشعر العربي وتدان ولا يتجاور أكثر من سببين" ولكن هذه القواعد تتطلب أن ننظر إلى الأسباب والأوتاد نظرة جديدة وألا نعرّفها كأوزان بالمعنى الضيق، وألا نقول مثلا أن الثلاثية المكونة من متحركين متبوعين بساكن (011) هي دائما وتد... هي وتد على مستوى النموذج الذي لم يدخله الزحاف، ولكن عند دخول الزحاف قد تكون هذه الوحدة مكونة من سبب أسقط منه الثاني وسبب سالم من الزحاف...

قواعد الجوار مكنتنا من تحديد الأسباب والأوتاد في كل سلسلة من السواكن والمتحركات أخذت من بيت شعريّ... ولكن هذا لا يكفي للانتقال إلى مستوى التفاعيل، والمديد مثلا يمكنه أن يكتب على الشكل:

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

أو: فاعلن مستفعلن فاعلاتن

أو: فاعلاتن فاعلاتن فعولن

وكل هذه الأشكال مقبولة نظريا، فهي متطابقة مع سلسلة السواكن والمتحركات ومع سلسلة الأسباب والأوتاد... كان علينا إذن أن نجد قاعدة تمكننا من اختيار الوزن الملائم... ووجدنا فعلا هذه القاعدة ومكنتنا من إعطاء "خوارزمية" تقودنا بصفة بسيطة وآلية نحو مستوى التفاعيل... وهذه القاعدة هي قاعدة تجاور التفاعيل... ولم يكن لهذه القاعدة أثر على مستوى التحليل فقط، وإنما لها أثرها العميق على مستوى الإنتاج. فهي التي تفسر لنا قبولَ تفعيلة ما، لجوار تفعيلة ورفضها لجوار أخرى...

وبهذا اكتملت قواعد التقطيع واقترحناها على طلبتنا في جامعة الجزائر، فاستوعبوها بسهولة، وصاروا يقطعون الأبيات بصفة تلقائية وأحيانا دون معرفة البحور...

وأنهي الكلام عن التقطيع بالحديث عن إمكانية إجراءه بواسطة آلة حاسبة، القواعد البسيطة التي أعطيناها، قابلة للتحول بأسهل الطرق إلى برنامج آلي، وقد أنجزنا هذا العمل أكثر من مرة وفي لغات متعددة وتوصلنا إلى أن الآلة بعدما نعطيها سلسلة السواكن والمتحركات، تعطينا وزن البيت وشكل التفاعيل ونوع الزحافات التي دخلت عليه.

والمرحلة الثانية تكمن في إعطاء الآلة البيت مكتوبا وليس مقننا، فتقننه هي، وتستخرج البحر. والعمل ليس بسيطا ولكنه ليس بالمستحيل.

بعد دراسة الشعر العمودي، اتجهت أبحاثنا نحو دراسة التحولات التي طرأت على هذا الشعر... وقد ركزنا هذه الدراسة على الموشحات وعلى الشعر الحر.

الموشحات وجدت مُنَظِّرَها في "ابن سَناء المُلْك" ولكن هذا المنظر لم يكن على مستوى الخليل، فابن سَناء وصف وصفا دقيقا كلَّ المستويات التي تتعدى الشطر، وذلك حتى القصيدة. فتكلم عن تركيب هذه القصيدة من أقفال وأبيات وأغصان، وعرَّف المطلع والخرجة، وحدد أعداد كل هذه الوحدات، ولكنه عندما أراد الوصول إلى مستوى التفاعيل ثم مستوى السواكن والمتحركات، لم يُوَفَّق. وقد اعترف بفشله...

وحاول حديثا، بعض الباحثين أن يحصوا أوزان الموشحات ولكنهم لم يتوصلوا إلى شيء ملحوظ...

ولست أدري هل سنكتشف في يوم من الايام قواعد أوزان الموشحات أم لا. ولكننا لن نستطيع أن نتوصل إلى نتيجة، إلا بعد الإحصاء الدقيق، الشامل، وبعد البحث عن العناصر التي لها دلالة في هذا النوع من الشعر والتي يمكن أن تختلف تماما عما هو مألوف.

ولم نتوصل شخصيا إلى حل قضية الموشح ولم نقترب من الحل، ولكننا درسنا عددا من الموشحات الشهيرة وحللناها تحليلا دقيقا وروينا بالنسبة لكل منها رواية اختراعها وحددنا التيارات الإيقاعية التي كانت السبب في وضع كل شكل من الأشكال الوزنية...

وبعد الموشحات درسنا الشعر الحر وبحثنا عن خصائصه، وأثبتنا أن هناك نوعين من الأبيات، البيت المكتوب والبيت المنطوق، وهاتان الوحدتان مندمجتان في الشعر العمودي، ولكنهما منفصلتان في الشعر الحر، وانفصالهما أدى إلى فقدان جزء من هويتهما، فتسبب ذلك في صعوبة تعريفهما...

وكل الضعف في الأبحاث الخاصة بأوزان الشعر الحر، ناتجة في رأينا، عن هذه الصعوبة في تحديد البيت.

ولم أتكلم عن النقاش العقيم حول تسمية الشعر الجديد، وحول تعريفه، وحول اقتصاره على شعر التفعيلة أو إدماج الشعر المنثور داخله ... فكل هذا النقاش الذي بلغ حدة غير معقولة هو من آثار تخلفنا. فهل نرى في الغرب من ينقد شعر الوار (Eluard) هذا الشعر الإنساني، الرائع، الخلاب، ينقده ويرفضه لأنه غير موزون؟

ولكن اهتمامنا كان موجها نحو شعر التفعيلة وذلك لأنه خاضع لقواعد دقيقة يراعيها الشعراء، ولكن المنظرين لم يدرسوها وأعطينا نموذجا لهذا الشعر الجديد وحددنا قواعده وذلك بعد تحليل العدد الكافي من القصائد لإبراز الواقع الحقيقي لوزن هذا الشعر

تلك هي الأبحاث التي قمنا بها في ميدان العروض منذ أكثر من عشر سنوات. وهذا الكتاب الذي نضعه اليوم بين أيدي القارئ لا يحتوي على جميعها. لقد أهملنا منه دراسة النظريات العروضية، وأهملنا منه دراسة الموشحات...

وذلك لأننا قصدنا منه، في بادئ بدء، أن يكون سبيلا لمن يريد أن يتعلم العروض بطريقة حديثة مبنية على أسس صحيحة، ولكنني لست أدري ما الذي حدث في الطريق عندما كنت أحرره... طغى علي الجانب النظري في كثير من الأحيان، وأعطيت الحجج والبراهين، وناقشت الفرضيات... وتغير هدف الكتاب فصار لا يتوجه فقط إلى من يريد أن يتعلم موازين الشعر العربي، ولكنه شمل أيضا من يريد أن يدرس القوانين التي تتصرف في هذه الأوزان، فيتفهّم منطقيتها، ويطلع على علاقاتها بالواقع الشعري ويعرف مدى نجاحها في وصفه...

وهذه الدراسة لقوانين الشعر ليست دراسة عقيمة وذلك لأنها من جهة، تقودنا لمعرفة إحدى مكونات الشعر وأقصد الوزن، ومن جهة أخرى، تمكننا من معرفة ما يجري داخلنا... لأن القواعد الإيقاعية ليست قواعد خرافية ولكنها قواعد نحملها في باطننا، وهي التي تمكننا من معرفة الموزون وغير الموزون بواسطة السليقة. والدراسات العروضية، مثل الدراسات اللغوية، تطمح إلى اكتشاف القواعد الحقيقية الموجودة في لامعقولنا والمرتبطة بإيقاع الشعر في حالة العروض...

والشعر، في هذا العصر الذي طغت عليه التكنولوجيا، ليس كما يظن البعض شيئا تافها: فهو الذي يجعلنا نختلف عن الآلات. والشعر لم يمت في الغرب، في كل يوم تؤلف آلاف الأغاني الشعبية التي تتغنى بالحبّ، بالبحر، بالريح، بالحياة...

ولن يموت الشعر عندنا لأن موته يعني موتنا وضعفه يعني تخلفنا...

والشعر ليس ظلاما تهزمه نور التكنولوجيا، لأن صعود الإنسان إلى القمر مثلا، وذهابه إلى النجوم، هو تحقيق حلم عميق وهو شبيه بالقصيدة الملحمية.

مصطفى حركات


Aucun commentaire: