mardi 19 janvier 2010

ما سر لجوء ابن عربي في ترجمان أشواقه الى أسماء النساء وصفات الغيد الحسان ؟


مقدمة:

الحق الذي لا شك فيه ان للمرأة (من حيث هي في ذاتها) في حياة ابن عربي أثرها الفعال على المستوى الإنساني المباشر حبيبة معشوقة تتوق النفس إلى وصالها، وملهمة على المستوى الروحي الصوفي، فلقد كانت المرأة أول من وضعت له الخطوات الأولى على الطريق الصحيح في رحلة التحليق و المعراج الصوفي.

و تأتي في مقدمة هؤلاء النساء : فاطمة بنت المثنى القرطبية. لكن هناك في حياة ابن عربي الوجدانية تجربة أقل ما يقال عنها أنها تجربة عميقة كل العمق، عاصفة أشد العصف، ملكت عليه كل امره و وجدانه تسمى "النظام" بنت شيخه مكين الدين.

وصفهافي ديوانه "ترجمان الأشواق"، و من وصفه لها يتضح انها كانت عنده بمنزلة السماوات و الأرض و ما بينهما، وفيها كتب رائعته "ترجمان الأشواق" المستوحى و المستلهم من جميلته النظام.

يشغل الخطاب الصوفي حيزا هاما ضمن المساحة الواسعة للتراث الفكري العربي والإسلامي، فقد انتشرت تصوراته في مختلف بقاع العالم العربي والإسلامي، كما استطاعت أفكاره أن تستقطب شرائح واسعة من المريدين والمناصرين وأن تثير غضب فئات عريضة من الخصوم والمناوئين.

استعمل الخطاب الصوفي لغة إشارية، رمزية كثيفة الاستعارات، مما خلخل قنوات التواصل بين المتصوف والدوائر الفقهية وجعل شروط الإدراك مستحيلة بينه وبين العوام، فلقد أثار ديوان ابن عربي«ترجمان الأشواق» حفيظة الفقهاء من أهل الظاهر، وكان ذلك باعثا له على كتابة"البيان التوضيحي"في مقدمة الديوان"لكشف الغطاء عن الرقائق واللطائف المعبر عنها بألفاظ تلتصق بالحسيات والماديات وما على القارئ إلا أن يحسن الظن بشاعرها، وأن يصرف الخاطر عن ظاهرها، فحسب الألفاظ الحسية أنها"ترجمان للأشواق والمواجيد الروحية".(1)

فاصرف الخاطر عن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما

فحب المرأة محطة هامة نحو الحب الإلهي. ويلح ابن عربي على فكرة أن "الحب الإنساني" هو الخبرة الأولى التي لا بد أن يتأسس عليها"الحب الإلهي" وأن"حب النساء" يعد من صفات الكمال الإنساني، مرتكزا في ذلك على مرويات تنتسب للنبي(ص) مثل:"حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرعيني في الصلاة".

إن المرأة في النصوص الصوفية أصبحت هي المظهر الأعلى للحياة بل هي مبدأ الحياة الإنسانية بعدما كانت مطوقة باغلال المتعة الجنسية من قبل شعراء الغزل اللذين كانوا يصفون منها كل ما هو حسي، ومن قبل الفقهاء الذين يروا جسدها بحر للمفاتن والشهوات.

إن المرأة في صورتها الوجودية تكثيف للجمال الكوني وليست مجرد جسد يخضع لمنطق الرغبة والمتعة الجنسية. (2)

ان ما يميز السر الانثوي هو كونه مظهر اسمى للحب الالهي، وينشد ابن عربي:

انتهى الحسن فيك اقصى مداه ما لوسع الامكان مثلك اخرى

لقد جعل الصوفي من الجسد الأنثوي قبسا من الجماليات الإلهية وبالتالي أجمل وأعظم مظهر من مظاهر الألوهية المبدعة. يقول ابن عربي"فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل(..)إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا، فإن الله بالذات غني عن العالمين، وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا، ولم تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله، وأعظم الوصلة النكاح، وهو نظير التوجه الإلهي على من خلقه على صورته".(3)

يقول ابن عربي:" ليس للفقهاء، ولا لمن نقل الحديث على المعنى(...) نصيب و لا حظ فيه، فإن الناقل على المعنى انما نقل الينا فهمه في ذلك الحديث النبوي ومن نقل الينا فهمه فانما هو رسول لنفسه". (4)

نستشف من رأيه هذا نقدا لاذعا للفقهاء الذين لم يستطيعوا تجاوز مستوى الفهم الظاهري لمعاني النص.

إن الفعل الجنسي ليس مبدأ من مبادئ السيطرة الذكورية على الأنثى، بل إنه يسمو بالجسد الأنثوي إلى أعلى مرتبة في الوجود: مرتبة الكمال الوجودي. ولذلك يقول ابن عربي: "من عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن، بل من كمال العارف حبهن فإنه ميراث نبوي وحب إلهي...". (5)

مراتب الحب في الخطاب الصوفي:

يقول ابن عربي " فاعلم أن الحب على ثلاث مراتب.حب طبيعي وهو حب العوام وغايته الإتحاد في الروح الحيواني، فتكون روح كل واحد منهما روحا لصاحبه بطريق الإلتذاذ وإثارة الشهوة ونهايته من الفعل النكاح(...) وحب روحاني نفسي وغايته الشبه بالمحبوب مع القيام بحق المحبوب ومعرفه قدره، وحب إلهي وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه...".(6)

ينتهي تصنيف الصوفية للحب إلى تصويره توحيدا بين الروحي والطبيعي، بين الإلهي والإنساني، وفي هذا التوحيد يتم تجاوز ثنائية الجسم والروح في أفق تركيب يبدو فيه الروحي والفيزيائي وجهين لحقيقة واحدة، وهذا التوافق بين الفيزيائي والروحي هو ما عبر عنه كوربان بأنه ديالكتيك الحب، ويلاحظ ابن عربي في هذا السياق أن أكمل المحبين من الصوفية هم الذين يحبون الله لذاته و لذواتهم في ان واحد.(7)

نستنتج في هذا السياق أن حب الصوفي للمرأة تجربة ضرورية وامتحان عسير لابد من خوض غماره قبل ولوج تجربة الحب الإلهي والفناء في حضرة الله تعالى، فحب المرآة أداة للوصول إلى الحب الإلهي، إن الحب الإنساني بحسب ابن عربي شرط لتذوق الحب الإلهي، لذلك فالوعي بعملية اتصال الذكر بالأنثى من شأنه أن يثير وعي الإنسان بعملية الخلق الأولى. فتكون الأنثى في هذه الحالة أداة من خلالها ينتقل وعي الإنسان من الإنساني الأرضي إلى الوجودي السماوي.


المرأة تجلي من تجليات الله تعالى في موجوداته:

إن جمال المرأة تجلي من تجليات الله تعالى، ومظهر من مظاهر عظمته، لذلك فإن حب المرأة ميزة نبوية وعشق إلهي إذ إن " شهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكلمه، واعظم الوصلة النكاح".(8)

وكمثال على الإعلاء لمكانة المرأة يقول ابن عربي:" إن الإنسان ابن أمه حقيقة والروح ابن طبيعة بدنه وهي أمه الذي أرضعته ونشأ في بطنها وتغذى بدمها، وإن من وفقه الله وكرم عبوديته، رجع جانب أمه لأنها أحق به لظهور نشأته ووجود عينه، فهو لأبيه ابن فراش، وهو ابن لامه حقيقة ".(9)

تتجلى الأسماء الإلهية الجمالية في الأنثى، فالمرأة هي النموذج الأعلى للجمال الأرضي، وتأمل جمال المرأة بل وتمثل الجمال الخالد للمرأة عبر الحب سبيل إلى معرفة الله.

خاتمة:

التجربة الصوفية في نظرتها للمرأة، فالمرأة صورتها الوجودية هي تجسيد للجمال الكوني وليست مجرد حس يخضع لمنطق الرغبة والمتعة الجنسية. يقول ابن عربي " وليس في العالم مخلوق أعظم قوة من المرأة لسر لا يعرفه إلا من عرف فيم وجد العالم وبأي حركة اوجده الحق تعالى ".(10)

لذلك فان النظرة الصوفية للمرأة لا تعكس إعجابا انفعاليا يخضع لمنطق الرغبة الجنسية فيزول بزوال المتعة، وإنما تعبر عن تجربة روحية عميقة توجه العاشق الصوفي في مساره التعبدي الذي يضع كغاية له الفناء في الذات الإلهي. وهذا ما ميز تجربة ابن عربي مع المرأة. إذ عاش ابن عربي حبا روحيا كمريد مع فاطمة بنت المثنى وأيضا مع الفتاة نظام التي شكلت موضوع كتابه:«ترجمان الأشواق». إن مباشرته للتجربة الصوفية وإدراكه أن الله حبب النساء إلى النبي(ص) شكل حافزا قويا لصياغة تصور جديد حول المرأة، فأصبح أكثر الناس حبا وعطفا على المرآة؛ لأنه يعتقد أن الله هو مصدر حبه للنساء.(11)

الهوامش:

1ـ احمد الطريبق احمد، الخطاب و خطاب الحقيقة (مبحث في لغة الاشارة الصوفية) فكر ونقد، 1999، ص 40، 61، 62

2ـ منصف عبد الحق، الكتابة و التجربة الصوفية (نموذج ابن عربي)، منشورات عكاظ، الرباط، الطبعةالاولى، 1988، ص 430.

3ـ فصوص الحكم، ج 1، ص217.

4ـ الفتوحات المكية، ج 3، ص 312.

5ـ الفتوحات المكية، ج 3، ص 140.

6ـ الفتوحات المكية، ج 2، ص 111.

7ـ عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند المتصوفة، دار الاندلس، الطبعة الاولى، 1978، ص 140.

8ـ الفتوحات المكية، المجلد 2، ص 190.

9ـ الفتوحات المكية، المجلد 4، ص 247.

10ـ الفتوحات المكية ، ج2، ص 466.

11ـ الفتوحات المكية، ج 2, 11



Lekmiti Imene, étudiante de 3e année de Licence (LLCE), OMA, paris 3

Aucun commentaire: