lundi 17 septembre 2012

Ibn Battouta et al-Andalus ( Espagne musulmane)

قال ابن بطوطة : "فركبت البحر من سبتة في شطي لأهل أصيلا، فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى، حيث الأجر موفور للساكن والثواب مذخور للمقيم والطاعن. وكان ذلك إثر موت طاغية الروم أدفونس وحصاره الجبل عشرة أشهر، وظنه أنه سيستولي على ما بقي من بلاد الأندلس للمسلمين، فأُخذ من حيث لم يحتسب، ومات بالوباء الذي كان أشد الناس خوفاً منه. وأول بلد شاهدته من البلاد الأندلسية جبل الفتح. فلقيت به خطيبه الفاضل أبا زكريا يحيى بن السراج الرندي وقاضيه عيسى البربري، وعنده نزلت. وتطوفت معه على الجبل، فرأيت عجائب ما بنى به مولانا أبا الحسن رضي الله عنه وأعيد فيه من العدد، وما زاد على ذلك مولانا أيده الله. ووددت أن لو كنت ممن رابط به إلى نهاية العمر.
ثم خرجت من جبل الفتح إلى مدينة رندة، وهي من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعاً. وكان قائدها إذاك الشيخ أبو الربيع سليمان بن داوود العسكري، وقاضيها ابن عمي الفقيه أبو القاسم محمد بن يحيى بن بطوطة. ولقيت بها الفقيه القاضي الأديب أبا الحجاج يوسف بن موسى المنتشاقري، وأضافني بمنزله. ولقيت بها أيضاً خطيبها الصالح الحاج الفاضل أبا إسحاق إبراهيم المعروف بالشندرخ، المتوفي بعد ذلك بمدينة سلا من بلاد المغرب. ولقيت بها جماعة من الصالحين، منهم عبد الله الصغار وسواه، وأقمت بها خمسة أيام.
ثم سافرت منها إلى مدينة مربلة، والطريق فيما بينهما صعب شديد الوعورة؛ ومربلة بليدة حسنه خصبة. ووجدت بها جماعة من الفرسان متوجهين إلى مالقة، فأردت التوجه في صحبتهم. ثم إن الله تعالى عصمني بفضله، فتوجهوا قبلي، فأسروا في الطريق كما سنذكره، وخرجت في أثرهم.
فلما جاورت حوز مربلة ودخلت في حوز سهيل، مررت بفرس ميت في بعض الخنادق، ثم مررت بقفة حوت مطروحة بالأرض، فرابني ذلك. وكان أمامي برج الناظور، فقلت في نفسي: "لو ظهر هاهنا عدو لأنذر به صاحب البرج". ثم تقدمت إلى دار هنالك، فوجدت عليه فرساً مقتولاً. فبينما أنا هنالك سمعت الصياح من خلفي، وكنت قد تقدمت أصحابي فعدت إليهم. فوجدت معهم قائد حصن سهيل، فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك، ونزل بعض عمارتها إلى البر ولم يكن الناظور بالبرج. فمر بهم الفرسان الخارجون من مربلة وكانوا اثني عشر، فقتل النصارى أحدهم وفر واحد، وأسر العشرة، وقتل معهم رجل حوات، وهو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض. وأشار علي ذلك القائد بالمبيت في موضعه، ليوصلني منه إلى مالقة. فبت بحصن الرابطة المنسوبة إلى سهيل، والأجفان المذكورة مرساة عليه، وركب معي بالغد.
فوصلنا إلى مدينة مالقة، إحدى قواعد الأندلس وبلادها الحسان، جامعة بين مرافق البر والبحر، كثيرة الخيرات والفواكه. رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير، ورمانها المرسي الياقوتي لا نظير له في الدنيا. وأما التين واللوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب. وبمالقة يصنع الفخار المذهب العجيب ويجلب منها إلى أقاصي البلاد. ومسجدها كبير الساحة شهير البركة، وصحنه لا نظير له في الحسن، فيه أشجار النارنج البعيدة. ولما دخلت مالقة وجدت قاضيها الخطيب الفاضل أبا عبد الله ابن خطيبها الفاضل أبي جعفر بن خطيبها ولي الله تعالى أبو عبد الله الطنجالي، قاعداً بالجامع الأعظم، ومعه الفقهاء ووجوه الناس يجمعون مالاً برسم فداء الأساري الذي تقدم ذكرهم. فقلت له: "الحمد لله الذي عافاني ولم يجعلني منهم"، وأخبرته بما اتفق لي بعدهم. فعجب من ذلك، وبعث إلي بالضيافة رحمه الله. وأضافني أيضا خطيبها أبو عبد اله الساحلي المعروف بالعم.
ثم سافرت منها إلى مدينه بلش، وبينهما أربعة وعشرون ميلاً، وهي مدينه حسنة، بها مسجد عجيب، وفيها الأعناب والفواكه والتين كمثل ما بمالقة. ثم سافرنا منها إلى الحمة، وهي بلدة صغيرة، لها مسجد بديع الوضع عجيب البناء. وبها العين الحارة على ضفة واديها، وبينها وبين البلد ميل أو نحوه، وهنالك بيت لاستحمام الرجال وبيت لاستحمام النساء.
ثم سافرت منها إلى غرناطة، قاعدة بلاد الأندلس وعروس مدنها. وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلاً يخترقه نهر شنيل المشهور وسواه من الأنهار الكثيرة، والبساتين والجنات والرياض والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة. ومن عجيب مواضعها عين الدمع، وهو جبل فيه الرياض والبساتين لا مثل له بسواها. وكان ملك غرناطة في عهد دخولي إليها السلطان أبو الحجاج يوسف بن السلطان أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، وإن لم ألقه بسبب مرض كان به. وبعثت إلي والدته الحرة الصالحة الفاضلة بدنانير ذهب ارتفعت بها. ولقيت بغرناطة جملة من فضلائها، منهم قاضي الجماعة بها الشريف البليغ أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسيني السبتي، ومنهم فقيهها المدرس الخطيب العالم أبوعبد الله محمد بن إبراهيم البياني، ومنهم عالمها ومقرئها الخطيب أبو سعيد فرج بن قاسم الشهير بابن لب، ومنهم قاضي الجماعة نادرة العصر وطرفة الدهر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم السلمي البلعبعي، الذي قدم عليها من المرية في تلك الأيام، فوقع الاجتماع به في بستان الفقيه أبي القاسم محمد بن الفقيه الكاتب الجليل أبي عبد الله بن عاصم، وأقمنا هنالك يومين وليلة. ولقيت بغرناطة الشيوخ والمتصوفين بها، الفقيه أبا علي عمر بن الشيخ الصالح الولي أبي عبد الله محمد بن المحروق. وأقمت أياما بزاويته التي بخارج غرناطة، وأكرمني أشد الإكرام. وتوجهت معه إلى زيارة الزاوية الشهيرة البركة المعروفة برابطة العقاب، والعقاب جبل مطل على خارج غرناطة، وبينهما نحو ثمانية أميال، وهو مجاور لمدينة ألبيرة الخربة. ولقيت أيضاً ابن أخيه الفقيه أبا الحسن علي بن أحمد بن المحروق بزاويته المنسوبة للجام، بأعلى ربض نجد من خارج غرناطة المتصل بجبل السبيكة، وهو شيخ المنتسبين من الفقراء. وبغرناطة جملة من فقراء العجم استوطنوها لشبهها ببلادهم، منهم الحاج أبو عبد الله السمرقندي والحاج أحمد التبريزي والحاج إبراهيم القونوي والحاج حسين الخرساني والحاجان علي ورشيد الهنديان وسواهم.
ثم رحلت من غرناطة إلى الحمة، ثم إلى بلش، ثم إلى مالقة، ثم إلى حصن دكوان، وهو حصن حسن، كثير المياه والأشجار والفواكه. ثم سافرت منه إلى رندة، ثم إلى قرية بني رباح، فأنزلني شيخها أبو الحسن علي سليمان الريحاني وهو أحد كرماء الرجال وفضلاء الأعيان، يطعم الصادر والوارد وأضافني ضيافة حسنة. ثم سافرت إلى جبل الفتح، وركبت البحر في الجفن الذي جزت فيه أولا وهو لأهل أصيلا".

رحلة ابن بطوطة
تحفة النظار في غرائب الأمصار
منشورات دار الكتب العلمية، بيروت

Aucun commentaire: